محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
14
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
بدعاء إلا آتاه اللّه ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » « 1 » . وعن أنس « 2 » رضي اللّه عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من داع يدعو إلا استجاب اللّه له دعوته ، أو صرف عنه مثلها سوءا أو حطّ من ذنوبه بقدرها ، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » . فإذن ، الإجابة المطلقة حاصلة لكل داع بحق حسبما ورد الوعد الصدق ، إلا أن الإجابة أمرها إلى اللّه تعالى يعجلها متى يشاء ، وقد يكون المنع وتأخير العطاء إجابة وعطاء لمن فهم عن اللّه تعالى في ذلك ، فلم ييأس العبد من فضل اللّه تعالى إذا رأى منعا أو تأخيرا ، وإن ألحّ في دعائه وسؤاله ، وقد يكون تأخير ذلك إلى الآخرة خيرا له ، فقد جاء في بعض الأخبار : « يبعث عبد ، فيقول اللّه تعالى : ألم آمرك برفع حوائجك إليّ ، فيقول : بلى « 3 » ، وقد رفعتها إليك ، فيقول اللّه تعالى : ما سألت شيئا إلا أجبتك فيه ، ولكن أنجزت لك البعض في الدنيا ، وما لم أنجزه في الدنيا فهو مدّخر لك ، فخذه الآن ، حتى يقول ذلك العبد : ليته لم يقض لي حاجة في الدنيا » . وقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معنى النهي عن الاستعجال في إجابة الدعاء في قوله : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي » « 4 » . وقد دعا موسى وهارون عليهما السلام على فرعون ، فيما أخبر اللّه به عنهما حيث قالا : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 88 ] . ثم أخبر أنه أجاب دعاءهما في قوله سبحانه وتعالى : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ، فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ يونس : 89 ] . قالوا : وكان بين قول اللّه تعالى لهما قد أجيبت دعوتكما وهلاك فرعون أربعون سنة . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي ، رضي اللّه عنه ، في قوله تعالى : فَاسْتَقِيما أي
--> - ( الأعلام 2 / 104 ، والإصابة 1 / 213 ، وتهذيب الكمال 3 / 291 ) . ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( السنن 3381 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 2236 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 196 ) . ( 2 ) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري ( 10 ق ه - 93 ه - 612 - 712 م ) أبو ثمامة أو أبو حمزة ، صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخادمه . روى عنه رجال الحديث 2286 حديثا ، مولده بالمدينة وأسلم صغيرا وخدم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أن قبض . ثم رحل إلى دمشق ، ومنها إلى البصرة فمات فيها . وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة . ( الأعلام 2 / 24 ، وطبقات ابن سعد 7 / 10 ، وتهذيب الكمال 2 / 330 ) . ( 3 ) بلى : حرف جواب يأتي بعد النفي فيجعله إثباتا . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة ( دعاء ، 7 ) ، ومسلم ( ذكر ، 90 ، 91 ) ، والموطأ ( القرآن ، 29 ) والترمذي ( دعوات ، 114 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 396 ، 3 ، 193 ، 210 ) .